الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

153

تفسير روح البيان

ان اللّه تعالى لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه وانه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وانما جعلها دار رحلة وبلاء وانه ملكها في الغالب الجهلة والكفرة وحماها الأنبياء والأولياء والابدال وحسبك بها هوانا انه سبحانه صغرها وحقرها وأبغضها وابغض أهلها ومحبها ولم يرض لعاقل فيها الا بالتزود للارتحال عنها وفي الحديث ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر اللّه ومن والاه وعالما أو متعلما ) ولا يفهم من هذا إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا كما روى أبو موسى الأشعري ان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد إذا قال لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه من عصى ربه ) وهذا يقتضى المنع من سب الدنيا ولعنها . ووجه الجمع بينهما ان المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن اللّه تعالى وشاغلا عنه كما قال السلف كل ما شغلك عن اللّه سبحانه من مال وولد فهو مشئوم عليك واما ما كان من الدنيا يقرب من اللّه ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل انسان فمثل هذا لا يسب بل يرغب ويحب واليه الإشارة حيث قال ( الا ذكر اللّه ومن والاه أو عالما أو متعلما ) وهو المصرح به في قوله ( نعمت مطية المؤمن ) إلخ وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين واعلم أن حقيقة اللعن هو الطرد عن الحضرة الإلهية إلى طلب شهوات الدنيا وتعب وجدانها وتعب فقدانها فهو اللعنة الدنيوية واما اللعنة يوم القيامة فبالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران فالنفس إذا لم تقبل نصيحة هود القلب وتركت مشارب القلب الدينية الباقية من لوامع النورانية وطوامع الروحانية وشواهد الربانية وأقبلت على المشارب الدنيوية الفانية من الشهوات والمستلذات الحيوانية وثناء الخلق والجاه عندهم وأمثال هذا فقد جاء في حقها ألا بعدا اى طردا وفرقة وقطيعة وحسرة لها عصمنا اللّه وإياكم من مكايد النفس الامارة وشرفنا بصلاح الحال إلى آخر الأعمار والآجال وَإِلى ثَمُودَ اى وأرسلنا إلى ثمود وهي قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عاد بن ارم بن سام . وقيل انما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل . في تفسير أبى الليث انما لم ينصرف لأنه اسم قبيلة وفي الموضع الذي ينصرف جعله اسما للقوم أَخاهُمْ اى واحدا منهم في النسب صالِحاً عطف بيان لاخاهم وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خاور ابن ثمود قالَ استئناف بيانى كأن قائلا قال فما قال لهم صالح حين أرسل إليهم فقيل قال يا قَوْمِ [ اى قوم من ] اعْبُدُوا اللَّهَ وحده لأنه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ نيست شما را معبودى جزوى ] هُوَ لا غيره لأنه فاعل معنوي وتقديمه يدل على القصر أَنْشَأَكُمْ كونكم وخلقكم مِنَ الْأَرْضِ من لابتداء الغاية اى ابتداء انشاءكم منها فإنه خلق آدم من التراب وهو أنموذج منطو على جميع ذرياته التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواء اجماليا لان كل واحد منهم مخلوق من المنى ومن دم الطمث والمنى انما يتولد من الدم والدم انما يتولد من الأغذية وهي اما حيوانية أو نباتية والنباتية انما تتولد من الأرض والأغذية الحيوانية لا بد ان تنتهى إلى الأغذية النباتية المتولدة من الأرض فثبت انه تعالى